ابن الجوزي
181
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أخبرنا إبراهيم الحربي ، قال : حدّثنا محمد بن صالح ، عن محمد بن عمر ، عن ربيعة بن عثمان وقدامة ، قالا : لا نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلا أم كلثوم . قالت : كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي فأقيم بها الثلاث والأربع ، وهي ناحية التنعيم ، ثم أرجع إلى أهلي فلا ينكرون ذهابي البادية ، حتى أجمعت المسير ، فخرجت يوما من مكة كأني أريد البادية ، فلما رجع من تبعني إذا رجل من خزاعة [ قال : أين تريدين ؟ قلت : وما مسألتك ومن أنت ؟ قال رجل من خزاعة ] [ 1 ] اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعقده - فقلت : إني امرأة من قريش ، وإني أريد اللحوق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم / ، ولا علم لي بالطريق ، فقال : أنا صاحبك حتى أوردك المدينة ، ثم 74 / أجاءني ببعير فركبته فكان يقود بي البعير ، ولا والله ما يكلمني بكلمة حتى إذا أناخ البعير تنحى عني ، فإذا نزلت جاء إلى البعير فقيده بالشجر ، وتنحى إلى فيء شجرة حتى إذا كان الرواح خدج البعير فقربه وولى عني ، فإذا ركبت أخذ برأسه فلم يلتفت وراءه حتى أنزل ، فلم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة ، فجزاه الله من صاحب خيرا ، فدخلت على أم سلمة وأنا متنقبة ، فما عرفتني حتى كشفت النقاب فالتزمتني وقالت : هاجرت إلى الله وإلى رسوله ؟ قلت : نعم ، وأنا أخاف أن يردني كما رد أبا جندل وأبا بصير ، وحال الرجال ليس كحال النساء ، والقوم مصبحي قد طالت غيبتي عنهم اليوم خمسة أيام منذ فارقتهم ، وهم يتحينون قدر ما كنت أغيب ثم يطلبوني فإن لم يجدوني رحلوا . فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أم سلمة ، فأخبرته خبر أم كلثوم ، فرحب بها وسهل ، فقلت : إني فررت إليك بديني فامنعني ولا تردني إليهم يفتنوني ويعذبوني ولا صبر لي على العذاب ، إنما أنا امرأة وضعف النساء على ما تعرف ، وقد رأيتك رددت رجلين حتى امتنع أحدهما ، فقال : « إن الله عز وجل نقض العهد في النساء » وحكم في ذلك بحكم رضوه كلهم وكان يرد النساء ، فقدم أخواها الوليد وعمارة من الغد ، فقالا : أوف لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه ، فقال : « قد نقض الله ذلك » فانصرفا .
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت .